أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

126

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقال الزمخشري : « فإن قلت : لم زعمت أنه من المدد دون المدّ في العمر والإملاء والإمهال ؟ قلت : كفاك دليلا على ذلك قراءة ابن كثير وابن محيصن « 1 » : « ويمدّهم » وقراءة نافع : « وإخوانهم يمدّونهم » على أنّ الذي بمعنى أمهله إنما هو « مدّ له » باللام كأملى له » . والاستهزاء لغة : السخرية واللعب ، يقال : هزئ به ، واستهزأ قال : 200 - قد هزأت منّي أمّ طيسله * قالت : أراه معدما لا مال له « 2 » وقيل : أصله الانتقام ، وأنشد : 201 - قد استهزأوا منّا بألفي مدجّج * سراتهم وسط الصّحاصح جثّم « 3 » فعلى هذا القول الثاني نسبة الاستهزاء إليه تعالى على ظاهرها ، وأمّا على القول الأول فلا بدّ من تأويل ذلك فقيل : المعنى يجازيهم على استهزائهم ، فسمّى العقوبة باسم الذنب ليزدوج الكلام ، ومنه : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 4 » ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ « 5 » . وقال عمرو ابن كلثوم « 6 » : 202 - ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا « 7 » وأصل المدد : الزيادة . والطغيان : مصدر طغى يطغى طغيانا وطغيانا بكسر الطاء وضمّها ، ولام طغى قيل : ياء وقيل : واو ، يقال : طغيت وطغوت ، وأصل المادة مجاوزة الحدّ ومنه : طغى الماء . والعمة : التردّد والتحيّر ، وهو قريب من العمى ، إلا أن بينهما عموما وخصوصا ، لأن العمى يطلق على ذهاب ضوء العين وعلى الخطأ في الرأي ، والعمة لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي ، يقال : عمه يعمه عمها وعمهانا فهو عمه وعامه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 16 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى : « أُولئِكَ » رفع بالابتداء والذين وصلته خبره ، وقوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ هذه الجملة عطف على الجملة الواقعة صلة ، وهي « اشْتَرَوُا » وزعم بعضهم أنها خبر المبتدأ ، وأنّ الفاء دخلت في الخبر لما تضمّنه الموصول من معنى الشرط ، وجعل ذلك نظير قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ « 8 » ثم قال : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ وهذا وهم ، لأنّ الذين اشتروا ليس مبتدأ حتى يدّعى دخول الفاء في خبره ، بل هو خبر عن « أُولئِكَ » كما تقدّم . فإن قيل : يكون الموصول مبتدأ ثانيا فتكون الفاء دخلت في خبره فالجواب أنه يلزم

--> ( 1 ) محمد بن عبد الرحمن بن محيص السهمي بالولاء أبو حفص المقري روى له مسلم والترمذي والنسائي ، توفي سنة 123 ه . تهذيب التهذيب ( 7 / 474 ) ، غاية النهاية ( 2 / 167 ) ، الأعلام ( 6 / 189 ) . ( 2 ) البيت لصخر الهلالي . انظر أمالي القالي ( 2 / 284 ) ، القرطبي ( 1 / 207 ) . ( 3 ) البيت في تفسير القرطبي ( 1 / 207 ) . ( 4 ) سورة الشورى ، آية ( 40 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 194 ) . ( 6 ) عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب ، من بني تغلب ، أبو الأسود شاعر جاهلي من الطبقة الأولى ، وكان من أعز الناس نفسا وهو من الفتاك الشجعان ساد قومه - تغلب - وهو فتى وهو من شعراء المعلقات ، توفي نحو سنة 40 ه قبل الهجرة . الأغاني ( 11 / 52 ) ، سمط اللآلي ( 635 ) ، جمهرة أشعار العرب ( 31 ) ، الأعلام ( 5 / 84 ) . ( 7 ) البيت من معلقته المشهورة . انظر شرح المعلقات . ( 8 ) سورة البقرة ، آية ( 274 ) .